الحلبي

274

السيرة الحلبية ( إنسان العيون في سيرة الأمين المأمون )

وفي رواية : كان عيسى صلوات اللّه وسلامه عليه إذا حدث له من اللّه نعمة ازداد تواضعا ، فلما أحدث اللّه تعالى نصرة نبيه صلى اللّه عليه وسلم أحدثت هذا التواضع . وفي رواية إنا نجد في الإنجيل أن اللّه سبحانه وتعالى إذا أحدث بعبده نعمة وجب على العبد أن يحدث اللّه تواضعا ، وإن اللّه قد أحدث إلينا وإليكم نعمة عظيمة الحديث . قال : ولما أوقع اللّه تعالى بالمشركين يوم بدر واستأصل وجوههم ، قالوا إن ثأرنا بأرض الحبشة ، فلنرسل إلى ملكها ليدفع إلينا من عنده من أتباع محمد فنقتلهم بمن قتل منا فأرسلوا عمرو بن العاص وعبد اللّه بن أبي ربيعة رضي اللّه تعالى عنهما - فإنهما أسلما بعد ذلك - إلى النجاشي ليدفع إليهما من عنده من المسلمين ، فأرسلوا معهما هدايا وتحفا للنجاشي . فلما بلغ ذلك رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم بعث إلى النجاشي عمرو بن أمية الضمري بكتاب يوصيه فيه على المسلمين انتهى . وفي الأصل هنا ما يوافقه . وفيه أن عمرو بن أمية الضمري لم يكن أسلم بعد ، أي لأنه كما في الأصل شهد بدرا وأحدا مع المشركين . وأول مشهد شهده مع المسلمين بئر معونة ، وأسر في ذلك وجزت ناصيته وأعتق ، وكان ذلك في سنة أربع كما سيأتي . قال : فلما وصل عمرو وعبد اللّه إلى النجاشي ردهما خائبين . أي فعن عمرو بن العاص قال : دخلت على النجاشي فسجدت له ، فقال : مرحبا بصديقي أهديت لي من بلادك شيئا ؟ فقلت نعم أيها الملك ، أهديت لك أدما كثيرا ثم قربته إليه ، فأعجبه ، وفرق منه أشياء بين بطارقته ، وأمر بسائره فأدخل في موضع ، وأمر أن يكتب ويتحفظ به ، قال عمرو : فلما رأيت طيب نفسه قلت : أيها الملك إني رأيت رجلا خرج من عندك يعني عمرو بن أمية الضمري . وهو رسول عدو لنا قد وترنا وقتل أشرافنا وخيارنا فأعطينه فأقتله ، فغضب ثم رفع يده فضرب بها أنفي ضربة ظننت أنه قد كسره ، فجعلت أتقي الدم بثيابي . وفي رواية : ثم رفع يده فضرب بها أنف نفسه ، ظننت أنه قد كسره . وقد يجمع بوقوع الأمرين منه ، وعند ذلك قال عمرو : فأصابني من الذل ما لو انشقت لي الأرض لدخلت فيها فرقا منه ، ثم قلت : أيها الملك لو ظننت أنك تكره ما قلت ما سألتكه ، فقال : يا عمرو ، تسألني أن أعطيك رسول اللّه رجل يأتيه الناموس الأكبر الذي كان يأتي موسى ، والذي كان يأتي عيسى ابن مريم لتقتله ؟ قلت وتشهد أنت أيها الملك أنه رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم ، فقال : نعم أشهد أنه رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم أشهد بذلك عند اللّه يا عمرو ، فأطعني واتبعه ، فو اللّه إنه لعلى الحق . قلت له : أفتبايعني له على الإسلام ، قال : نعم ، فمدّ يده فبايعته على الإسلام ، ثم خرجت إلى أصحابي وقد كساني ، فلما رأوا